موقع الحاج ابومهندالسلامي النجفي

سورة الكوثروالكافرون و النصرو تبت.الطبطبائي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

س سورة الكوثروالكافرون و النصرو تبت.الطبطبائي

مُساهمة من طرف ابومهندالسلامي النجفي في الثلاثاء سبتمبر 12, 2017 1:53 am

108 سورة الكوثر - 1 - 3

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِنّا أَعْطيْنَك الْكَوْثَرَ (1) فَصلِّ لِرَبِّك وَ انحَرْ (2) إِنّ شانِئَك هُوَ الأَبْترُ (3)

بيان

امتنان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعطائه الكوثر و تطييب لنفسه الشريفة بأن شانئه هو الأبتر، و هي أقصر سورة في القرآن و قد اختلفت الروايات في كون السورة مكية أو مدنية، و الظاهر أنها مكية، و ذكر بعضهم أنها نزلت مرتين جمعا بين الروايات.

قوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر" قال في المجمع، الكوثر فوعل و هو الشيء الذي من شأنه الكثرة، و الكوثر الخير الكثير، انتهى.

و قد اختلفت أقوالهم في تفسير الكوثر اختلافا عجيبا فقيل: هو الخير الكثير، و قيل نهر في الجنة، و قيل: حوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجنة أو في المحشر، و قيل: أولاده و قيل: أصحابه و أشياعه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة، و قيل: علماء أمته (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قيل القرآن و فضائله كثيرة، و قيل النبوة و قيل: تيسير القرآن و تخفيف الشرائع و قيل: الإسلام و قيل التوحيد، و قيل: العلم و الحكمة، و قيل: فضائله (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قيل المقام المحمود، و قيل: هو نور قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غير ذلك مما قيل، و قد نقل عن بعضهم أنه أنهى الأقوال إلى ستة و عشرين.

و قد استند في القولين الأولين إلى بعض الروايات، و باقي الأقوال لا تخلو من تحكم و كيفما كان فقوله في آخر السورة: "إن شانئك هو الأبتر" و ظاهر الأبتر هو المنقطع نسله و ظاهر الجملة أنها من قبيل قصر القلب - أن كثرة ذريته (صلى الله عليه وآله وسلم) هي المرادة وحدها بالكوثر الذي أعطيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المراد بها الخير الكثير و كثرة الذرية مرادة في ضمن الخير الكثير و لو لا ذلك لكان تحقيق الكلام بقوله: "إن شانئك هو الأبتر" خاليا عن الفائدة.

و قد استفاضت الروايات أن السورة إنما نزلت فيمن عابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبتر بعد ما مات ابناه القاسم و عبد الله، و بذلك يندفع ما قيل: إن مراد الشانىء بقوله: "أبتر" المنقطع عن قومه أو المنقطع عن الخير فرد الله عليه بأنه هو المنقطع من كل خير.

و لما في قوله: "إنا أعطيناك" من الامتنان عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) جيء بلفظ المتكلم مع الغير الدال على العظمة، و لما فيه من تطييب نفسه الشريفة أكدت الجملة بإن و عبر بلفظ الإعطاء الظاهر في التمليك.

و الجملة لا تخلو من دلالة على أن ولد فاطمة (عليها السلام) ذريته (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هذا في نفسه من ملاحم القرآن الكريم فقد كثر الله تعالى نسله بعده كثرة لا يعادلهم فيها أي نسل آخر مع ما نزل عليهم من النوائب و أفنى جموعهم من المقاتل الذريعة.

قوله تعالى: "فصل لربك و انحر" ظاهر السياق في تفريع الأمر بالصلاة و النحر على الامتنان في قوله: "إنا أعطيناك الكوثر" إنه من شكر النعمة و المعنى إذا مننا عليك بإعطاء الكوثر فاشكر لهذه النعمة بالصلاة و النحر.

و المراد بالنحر على ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عن علي (عليه السلام) و روته الشيعة عن الصادق (عليه السلام) و غيره من الأئمة هو رفع اليدين في تكبير الصلاة إلى النحر.

و قيل: معنى الآية صل لربك صلاة العيد و انحر البدن، و قيل: يعني صل لربك و استو قائما عند رفع رأسك من الركوع و قيل غير ذلك.

قوله تعالى: "إن شانئك هو الأبتر" الشانىء هو المبغض و الأبتر من لا عقب له و هذا الشانىء هو العاص بن وائل.

و قيل: المراد بالأبتر المنقطع عن الخير أو المنقطع عن قومه، و قد عرفت أن روايات سبب نزول السورة لا تلائمه و ستجيء.


بحث روائي



في الدر المنثور، أخرج البخاري و ابن جرير و الحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه إياه قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.

و فيه، أخرج ابن أبي حاتم و الحاكم و ابن مردويه و البيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "إنا أعطيناك الكوثر" قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة و لكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا و صلاة الملائكة الذين في السماوات السبع، و أن لكل شيء زينة و زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: "فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون":. أقول: و رواه في المجمع، عن المقاتل عن الأصبغ بن نباتة عنه (عليه السلام) ثم قال: أورده الثعلبي و الواحدي في تفسيرهما، و قال أيضا: إن جميع عترته الطاهرة رووا عنه (عليه السلام): أن معنى النحر رفع اليدين إلى النحر في الصلاة.

و فيه، أخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله: "فصل لربك" قال: الصلاة "و انحر" قال يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح.

و فيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "فصل لربك و انحر" قال: إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر.

و في المجمع، في الآية عن عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في قوله "فصل لربك و انحر" هو رفع يديك حذاء وجهك:. أقول: ثم قال: و روى عنه عبد الله بن سنان مثله، و روي أيضا قريبا منه عن جميل عنه (عليه السلام).

و في الدر المنثور، أخرج ابن سعد و ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية فمات القاسم و هو أول ميت من ولده بمكة ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل السهمي قد انقطع نسله فهو أبتر فأنزل الله "إن شانئك هو الأبتر".

و فيه، أخرج الزبير بن بكار و ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفي القاسم بن رسول الله بمكة فمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو آت من جنازته على العاص بن وائل و ابنه عمرو فقال حين رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لأشنؤه فقال العاص بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر فأنزل الله "إن شانئك هو الأبتر".

و فيه، أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كانت قريش تقول إذا مات ذكور الرجل بتر فلان فلما مات ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال العاص بن وائل: بتر و الأبتر الفرد.

أقول: و في بعض الآثار أن الشانىء هو الوليد بن المغيرة، و في بعضها أبو جهل و في بعضها عقبة بن أبي معيط، و في بعضها كعب بن الأشرف، و المعتمد ما تقدم.

و يؤيده ما في الاحتجاج الطبرسي، عن الحسن بن علي (عليهما السلام): في حديث يخاطب فيه عمرو بن العاصي: و أنك ولدت على فراش مشترك فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان بن حرب و الوليد بن المغيرة و عثمان بن الحارث و النضر بن الحارث بن كلدة و العاص بن وائل كلهم يزعم أنك ابنه فغلبهم عليك من بين قريش ألأمهم حسبا و أخبثهم منصبا و أعظمهم بغية. ثم قمت خطيبا و قلت: أنا شانىء محمد و قال العاص بن وائل: إن محمدا رجل أبتر لا ولد له قد مات انقطع ذكره فأنزل الله تبارك و تعالى: "إن شانئك هو الأبتر".

الحديث.

و في تفسير القمي،: "إنا أعطيناك الكوثر" قال: الكوثر نهر في الجنة أعطى الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عوضا عن ابنه إبراهيم.

أقول: الخبر على إرساله و إضماره معارض لسائر الروايات و تفسير الكوثر بنهر في الجنة لا ينافي التفسير بالخير الكثير كما تقدم في خبر ابن جبير.


109 سورة الكافرون - 1 - 6

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قُلْ يَأَيهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَ لا أَنتُمْ عاَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَ لا أَنَا عَابِدٌ مّا عَبَدتمْ (4) وَ لا أَنتُمْ عاَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكمْ دِينُكُمْ وَ لىَ دِينِ (6)

بيان

فيها أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يظهر للكفار براءته من دينهم و يخبرهم بامتناعهم من دينه فلا دينه يتعداه إليهم و لا دينهم يتعداهم إليه فلا يعبد ما يعبدون أبدا و لا يعبدون ما يعبد أبدا فلييأسوا من أي نوع من المداهنة و المساهلة.

و اختلفوا في كون السورة مكية أو مدنية، و الظاهر من سياقها أنها مكية.

قوله تعالى: "قل يا أيها الكافرون" الظاهر أن هؤلاء قوم معهودون لا كل كافر و يدل على ذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطبهم ببراءته من دينهم و امتناعهم من دينه.

قوله تعالى: "لا أعبد ما تعبدون" الآية إلى آخر السورة مقول القول، و المراد بما تعبدون الأصنام التي كانوا يعبدونها، و مفعول "تعبدون" ضمير راجع إلى الموصول محذوف لدلالة الكلام عليه و لرعاية الفواصل، و كذا مفاعيل الأفعال التالية: "أعبد" و "عبدتم" و "أعبد".

و قوله: "لا أعبد" نفي استقبالي فإن لا لنفي الاستقبال كما أن ما لنفي الحال، و المعنى لا أعبد أبدا ما تعبدونه اليوم من الأصنام.

قوله تعالى: "و لا أنتم عابدون ما أعبد" نفي استقبالي أيضا لعبادتهم ما يعبده (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو إخبار عن امتناعهم عن الدخول في دين التوحيد في مستقبل الأمر.

و بانضمام الأمر الذي في مفتتح الكلام تفيد الآيتان إن الله سبحانه أمرني بالدوام على عبادته و أن أخبركم أنكم لا تعبدونه أبدا فلا يقع بيني و بينكم اشتراك في الدين أبدا.

فالآية في معنى قوله تعالى: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون": يس: 7، و قوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6.

و كان من حق الكلام أن يقال: و لا أنتم عابدون من أعبد.

لكن قيل: ما أعبد ليطابق ما في قوله: "لا أعبد ما تعبدون".

قوله تعالى: "و لا أنا عابد ما عبدتم و لا أنتم عابدون ما أعبد" تكرار لمضمون الجملتين السابقتين لزيادة التأكيد، كقوله: "كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون": التكاثر: 4 و قوله: "فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر": المدثر: 20.

و قيل: إن ما في "ما عبدتم" و "ما أعبد" مصدرية لا موصولة و المعنى و لا أنا عابد عبادتكم و لا أنتم عابدون عبادتي أي لا أشارككم و لا تشاركونني لا في المعبود و لا في العبادة فمعبودي هو الله و معبودكم الوثن و عبادتي ما شرعه الله لي و عبادتكم ما ابتدعتموه جهلا و افتراء، و على هذا فالآيتان غير مسوقتين للتأكيد، و لا يخلو من بعد و سيأتي في البحث الروائي التالي وجه آخر للتكرار لطيف.

قوله تعالى: "لكم دينكم و لي دين" تأكيد بحسب المعنى لما تقدم من نفي الاشتراك، و اللام للاختصاص أي دينكم و هو عبادة الأصنام يختص بكم و لا يتعداكم إلي و ديني يختص بي و لا يتعداني إليكم و لا محل لتوهم دلالة الآية على إباحة أخذ كل بما يرتضيه من الدين و لا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتعرض لدينهم بعد ذلك فالدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن تدفع ذلك أساسا.

و قيل: الدين في الآية بمعنى الجزاء و المعنى لكم جزاؤكم و لي جزائي، و قيل: إن هناك مضافا محذوفا و التقدير لكم جزاء دينكم و لي جزاء ديني، و الوجهان بعيدان عن الفهم.

بحث روائی


في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة و العاص بن وائل و الأسود بن المطلب و أمية بن خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد و تعبد ما نعبد و لنشترك نحن و أنت في أمرنا كله فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا و إن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا فأنزل الله "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون" حتى انقضت السورة:. أقول: و روى الشيخ في الأمالي، بإسناده عن ميناء عن غير واحد من أصحابه قريبا منه.

و في تفسير القمي، عن أبيه عن ابن أبي عمير قال: سأل أبو شاكر أبا جعفر الأحول عن قول الله: "قل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون - و لا أنتم عابدون ما أعبد و لا أنا عابد ما عبدتم - و لا أنتم عابدون ما أعبد" فهل يتكلم الحكيم بمثل هذا القول، و يكرر مرة بعد مرة؟ فلم يكن عند أبي جعفر الأحول في ذلك جواب. فدخل المدينة فسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال: كان سبب نزولها و تكرارها أن قريشا قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تعبد آلهتنا سنة و نعبد إلهك سنة و تعبد آلهتنا سنة و نعبد إلهك سنة فأجابهم الله بمثل ما قالوا فقال فيما قالوا: تعبد آلهتنا سنة: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، و فيما قالوا: نعبد إلهك سنة: و لا أنتم عابدون ما أعبد، و فيما قالوا: تعبد آلهتنا سنة: "و لا أنا عابد ما عبدتم" و فيما قالوا: نعبد إلهك سنة: "و لا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم و لي دين". قال: فرجع أبو جعفر الأحول إلى أبي شاكر فأخبره بذلك فقال أبو شاكر: هذا حملته الإبل من الحجاز.

أقول: مفاد التكرار في كلام قريش الاستمرار على عبادة آلهتهم سنة و عبادة الله تعالى سنة.


110 سورة النصر - 1 - 3

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصرُ اللّهِ وَ الْفَتْحُ (1) وَ رَأَيْت النّاس يَدْخُلُونَ فى دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك وَ استَغْفِرْهُ إِنّهُ كانَ تَوّابَا (3)

بيان

وعد له (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنصر و الفتح و أنه سيرى الناس يدخلون في الإسلام فوجا بعد فوج و أمره بالتسبيح حينئذ و التحميد و الاستغفار، و السورة مدنية نزلت بعد صلح الحديبية و قبل فتح مكة على ما سنستظهر.

قوله تعالى: "إذا جاء نصر الله و الفتح" ظهور "إذا" المصدرة بها الآية في الاستقبال يستدعي أن يكون مضمون الآية إخبارا بتحقق أمر لم يتحقق بعد، و إذا كان المخبر به هو النصر و الفتح و ذلك مما تقر به عين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو وعد جميل و بشرى له (صلى الله عليه وآله وسلم) و يكون من ملاحم القرآن الكريم.

و ليس المراد بالنصر و الفتح جنسهما حتى يصدقا على جميع المواقف التي أيد الله فيها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على أعدائه و أظهر دينه على دينهم كما في حروبه و مغازيه و إيمان الأنصار و أهل اليمن كما قبل إذ لا يلائمه قوله بعد: "و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا".

و ليس المراد بذلك أيضا صلح الحديبية الذي سماه الله تعالى فتحا إذ قال "إنا فتحنا لك فتحا مبينا": الفتح: 1 لعدم انطباق الآية الثانية بمضمونها عليه.

و أوضح ما يقبل الانطباق عليه النصر و الفتح المذكوران في الآية هو فتح مكة الذي هو أم فتوحاته " (صلى الله عليه وآله وسلم)" في زمن حياته و النصر الباهر الذي انهدم به بنيان الشرك في جزيرة العرب.

و يؤيده وعد النصر الذي في الآيات النازلة في الحديبية "إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و يتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما و ينصرك الله نصرا عزيزا": الفتح: 3 فإن من القريب جدا أن يكون ما في الآيات وعدا بنصر عزيز يرتبط بفتح الحديبية و هو نصره تعالى نبيه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" على قريش حتى فتح مكة بعد مضي سنتين من فتح الحديبية.

و هذا الذي ذكر أقرب من حمل الآية على إجابة أهل اليمن الدعوة الحقة و دخولهم في الإسلام من غير قتال، فالأقرب إلى الاعتبار كون المراد بالنصر و الفتح نصره تعالى نبيه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" على قريش و فتح مكة، و أن تكون السورة نازلة بعد صلح الحديبية و نزول سورة الفتح و قبل فتح مكة.

قوله تعالى: "و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا" قال الراغب: الفوج الجماعة المارة المسرعة، و جمعه أفواج.

انتهى.

فمعنى دخول الناس في دين الله أفواجا دخولهم فيه جماعة بعد جماعة، و المراد بدين الله الإسلام قال تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19.

قوله تعالى: "فسبح بحمد ربك و استغفره إنه كان توابا" لما كان هذا النصر و الفتح إذلالا منه تعالى للشرك و إعزازا للتوحيد و بعبارة أخرى إبطالا للباطل و إحقاقا للحق ناسب من الجهة الأولى تنزيهه تعالى و تسبيحه، و ناسب من الجهة الثانية - التي هي نعمة - الثناء عليه تعالى و حمده فلذلك أمره " (صلى الله عليه وآله وسلم)" بقوله: "فسبح بحمد ربك".

و هاهنا وجه آخر يوجه به الأمر بالتسبيح و التحميد و الاستغفار جميعا و هو أن للرب تعالى على عبده أن يذكره بصفات كماله و يذكر نفسه بما له من النقص و الحاجة و لما كان في هذا الفتح فراغه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" من جل ما كان عليه من السعي في إماطة الباطل و قطع دابر الفساد أمر أن يذكره عند ذلك بجلاله و هو التسبيح و جماله و هو التحميد و أن يذكره بنقص نفسه و حاجته إلى ربه و هو طلب المغفرة و معناه فيه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" - و هو مغفور - سؤال إدامة المغفرة فإن الحاجة إلى المغفرة بقاء كالحاجة إليها حدوثا فافهم ذلك، و بذلك يتم شكره لربه تعالى و قد تقدم كلام في معنى مغفرة الذنب في الأبحاث السابقة.

و قوله: "إنه كان توابا" تعليل للأمر بالاستغفار لا يخلو من تشويق و تأكيد.

بحث روائي

في المجمع، عن مقاتل: لما نزلت هذه السورة قرأها " (صلى الله عليه وآله وسلم)" على أصحابه ففرحوا و استبشروا و سمعها العباس فبكى فقال " (صلى الله عليه وآله وسلم)" ما يبكيك يا عم؟ قال: أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول الله فقال: إنه لكما تقول فعاش بعدها سنتين ما رئي بعدها ضاحكا مستبشرا.

أقول: و روي هذا المعنى في عدة روايات بألفاظ مختلفة و قيل في وجه دلالتها أن سياقها يلوح إلى فراغه " (صلى الله عليه وآله وسلم)" مما عليه من السعي و المجاهدة و تمام أمره، و عند الكمال يرقب الزوال.

و فيه، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" بالآخرة لا يقوم و لا يقعد و لا يجيء و لا يذهب إلا قال: سبحان الله و بحمده استغفر الله و أتوب إليه فسألناه عن ذلك فقال: إني أمرت بها ثم قرأ "إذا جاء نصر الله و الفتح".

أقول: و في هذا المعنى غير واحد من الروايات مع اختلاف ما فيما كان يقوله " (صلى الله عليه وآله وسلم)".

و في العيون، بإسناده إلى الحسين بن خالد قال: قال الرضا (عليه السلام) سمعت أبي يحدث عن أبيه (عليه السلام): أن أول سورة نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك" و آخر سورة نزلت "إذا جاء نصر الله".

أقول: لعل المراد به أنها آخر سورة نزلت تامة كما قيل.



و في المجمع، في قصة فتح مكة: لما صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و دخلت بنو بكر في عقد قريش، و كان بين القبيلتين شر قديم.

ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر و خزاعة مقاتلة و رفدت قريش بني بكر بالسلاح و قاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا، و كان ممن أعان بني بكر على خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل و سهيل بن عمرو. فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة و كان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه و هو في المسجد بين ظهراني القوم و قال: لا هم إني ناشد محمدا. حلف أبينا و أبيه الأتلدا. إن قريشا أخلفوك الموعدا. و نقضوا ميثاقك المؤكدا. و قتلونا ركعا و سجدا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حسبك يا عمرو ثم قام فدخل دار ميمونة و قال: اسكبي لي ماء فجعل يغتسل و هو يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب و هم رهط عمرو بن سالم ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبروه بما أصيب منهم و مظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة و قد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد و يزيد في المدة و سيلقى بديل بن ورقاء فلقوا أبا سفيان بعسفان و قد بعثته قريش إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليشدد العقد.

فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل قال: سرت في هذا الساحل و في بطن هذا الوادي قال: ما أتيت محمدا؟ قال: لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته و أخذ من بعرها ففته فرأى فيها النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم إلى رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" فقال: يا محمد احقن دماء قومك و أجر بين قريش و زدنا في المدة فقال: أ غدرتم يا أبا سفيان؟ قال: لا فقال: فنحن على ما كنا عليه فخرج فلقي أبا بكر فقال: أجر بين قريش قال: ويحك و أحد يجير على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ثم لقي عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك ثم خرج فدخل على أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال: يا بنية أ رغبت بهذا الفراش عني؟ فقالت: نعم هذا فراش رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" ما كنت لتجلس عليه و أنت رجس مشرك. ثم خرج فدخل على فاطمة (عليها السلام) فقال يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش و تزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس؟ فقالت: جواري جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: أ تأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس؟ قالت: و الله ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس و ما يجير على رسول الله " (صلى الله عليه وآله وسلم)" أحد فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني فقال علي (عليه السلام): إنك شيخ قريش فقم على باب المسجد و أجر بين قريش ثم الحق بأرضك قال: و ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا و الله ما أظن ذلك و لكن لا أجد لك غير ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فأخبرهم بالقصة فقالوا: و الله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت؟ قال: لا و الله ما وجدت غير ذلك. قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجهاز لحرب مكة و أمر الناس بالتهيئة و قال: اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، و كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخبر من السماء فبعث عليا (عليه السلام) و الزبير حتى أخذا كتابه من المرأة و قد مضت هذه القصة في سورة الممتحنة. ثم استخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا ذر الغفاري و خرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من المسلمين و نحو من أربعمائة فارس و لم يتخلف من المهاجرين و الأنصار عنه أحد. و قد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و عبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنيق العقاب فيما بين مكة و المدينة فالتمسا الدخول عليه فلم يأذن لهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك و ابن عمتك و صهرك قال لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي فهتك عرضي، و أما ابن عمتي و صهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك و مع أبي سفيان بني له قال: و الله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا و جوعا فلما بلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رق لهما فأذن لهما فدخلا عليه فأسلما.

فلما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مر الظهران و قد غمت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خبر خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار و قد قال العباس ليلتئذ: يا سوء صباح قريش و الله لئن بغتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بلادها فدخل مكة عنوة أنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر فخرج على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى خطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيأتونه فيستأمنونه. قال العباس فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء و سمعت أبا سفيان يقول: و الله ما رأيت كالليلة قط نيرانا فقال بديل: هذه نيران خزاعة فقال أبو سفيان: خزاعة الأم من ذلك قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة يعني أبا سفيان فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم قال: لبيك فداك أبي و أمي ما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله وراءك قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني؟ قلت: تركب عجز هذه البغلة فاستأمن لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت أركض به بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: هذا عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال يعني عمر: يا أبا سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد و لا عقد ثم اشتد نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة و سبقت عمر بما يسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء.



فدخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد و لا عقد فدعني أضرب عنقه فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته ثم إني جلست إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أخذت برأسه و قلت: و الله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر فوالله ما يصنع هذا الرجل إلا أنه رجل من آل بني عبد مناف و لو كان من عدي بن كعب ما قلت هذا قال: مهلا يا عباس لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اذهب فقد آمناه حتى تغدو به علي في الغداة. قال: فلما أصبح غدوت به على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت و أمي ما أوصلك و أكرمك و أرحمك و أحلمك و الله لقد ظننت أن لو كان معه إله لأغنى يوم بدر و يوم أحد فقال: ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت و أمي أما هذه فإن في النفس منها شيئا قال العباس: فقلت له: ويحك اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك فتشهد. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) للعباس: انصرف يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي حتى يمر عليه جنود الله قال: فحبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي و مر عليه القبائل قبيلة قبيلة و هو يقول: من هؤلاء؟ و أقول: أسلم و جهينة و فلان حتى مر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتيبة الخضراء من المهاجرين و الأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ قلت: هذا رسول الله في المهاجرين و الأنصار فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقلت: ويحك أنها النبوة فقال: نعم إذا. و جاء حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أسلما و بايعاه فلما بايعاه بعثهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام و قال: من دخل دار أبي سفيان و هي بأعلى مكة فهو آمن، و من دخل دار حكيم و هي بأسفل مكة فهو آمن، و من أغلق بابه و كف يده فهو آمن.

و لما خرج أبو سفيان و حكيم من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عامدين إلى مكة بعث في أثرهما الزبير بن العوام و أمره على خيل المهاجرين و أمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون و قال له: لا تبرح حتى آتيك ثم دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة و ضربت هناك خيمته، و بعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمته، و بعث الخالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة و بني سليم و أمره أن يدخل أسفل مكة و يغرز رايته دون البيوت. و أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعا أن يكفوا أيديهم و لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، و أمرهم بقتل أربعة نفر عبد الله بن سعد بن أبي سرح و الحويرث بن نفيل و ابن خطل و مقبس بن ضبابة و أمرهم بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال: اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فقتل علي (عليه السلام) الحويرث بن نفيل و إحدى القينتين و أفلتت الأخرى، و قتل مقبس بن ضبابة في السوق، و أدرك ابن خطل و هو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث و عمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا فقتله. قال: و سعى أبو سفيان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أخذ غرزه أي ركابه فقبله ثم قال: بأبي أنت و أمي أ ما تسمع ما يقول سعد إنه يقول: اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): أدركه و خذ الراية منه و كن أنت الذي يدخل بها و أدخلها إدخالا رفيقا فأخذها علي (عليه السلام) و أدخلها كما أمر.

و لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة دخل صناديد قريش الكعبة و هم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم و أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و وقف قائما على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده ألا إن كل مال أو مأثرة و دم يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة و سقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لأحد كان قبلي و لم تحل لي إلا ساعة من نهار و هي محرمة إلى أن تقوم الساعة لا يختلى خلاها، و لا يقطع شجرها و لا ينفر صيدها، و لا تحل لقطتها إلا لمنشد. ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم لقد كذبتم و طردتم و أخرجتم و آذيتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني فاذهبوا فأنتم الطلقاء فخرج القوم فكأنما أنشروا من القبور و دخلوا في الإسلام، و كان الله سبحانه أمكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيئا فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء. و جاء ابن الزبعري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أسلم و قال: يا رسول الإله إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أباري الشيطان في سنن الغي و من مال ميله مثبور آمن اللحم و العظام لربي ثم نفسي الشهيد أنت النذير قال: و عن ابن مسعود قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الفتح و حول البيت ثلاثمائة و ستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده و يقول: "جاء الحق و ما يبديء الباطل و ما يعيد جاء الحق و زهق الباطل - إن الباطل كان زهوقا".

و عن ابن عباس قال: لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة أبى أن يدخل البيت و فيه الآلهة فأمر بها فأخرجت و صورة إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) و في أيديهما الأزلام فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) قاتلهم الله أما و الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط.

أقول: و الروايات حول قصة الفتح كثيرة من أراد استقصاءها فعليه بكتب السير و جوامع الأخبار و ما تقدم كالملخص منها.


111 سورة تبت - 1 - 5

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ تَبّت يَدَا أَبى لَهَبٍ وَ تَب (1) مَا أَغْنى عَنْهُ مَالُهُ وَ مَا كسب (2) سيَصلى نَاراً ذَات لهََبٍ (3) وَ امْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطبِ (4) فى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مّسدِ (5)

بيان

وعيد شديد لأبي لهب بهلاك نفسه و عمله و بنار جهنم و لامرأته، و السورة مكية.

قوله تعالى: "تبت يدا أبي لهب و تب" التب و التباب هو الخسران و الهلاك على ما ذكره الجوهري، و دوام الخسران على ما ذكره الراغب، و قيل: الخيبة، و قيل الخلو من كل خير و المعاني - كما قيل - متقاربة فيد الإنسان هي عضوه الذي يتوصل به إلى تحصيل مقاصده و ينسب إليه جل أعماله، و تباب يديه خسرانهما فيما تكتسبانه من عمل و إن شئت فقل: بطلان أعماله التي يعملها بهما من حيث عدم انتهائها إلى غرض مطلوب و عدم انتفاعه بشيء منها و تباب نفسه خسرانها في نفسها بحرمانها من سعادة دائمة و هو هلاكها المؤبد.

فقوله: "تبت يدا أبي لهب و تب" أي أبو لهب، دعاء عليه بهلاك نفسه و بطلان ما كان يأتيه من الأعمال لإطفاء نور النبوة أو قضاء منه تعالى بذلك.

و أبو لهب هذا هو أبو لهب بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان شديد المعاداة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مصرا في تكذيبه مبالغا في إيذائه بما يستطيعه من قول و فعل و هو الذي قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تبا لك لما دعاهم إلى الإسلام لأول مرة فنزلت السورة و رد الله التباب عليه.

و ذكر بعضهم أن أبا لهب اسمه و إن كان في صورة الكنية، و قيل: اسمه عبد العزى و قيل: عبد مناف و أحسن ما قيل في ذكره في الآية بكنيته لا باسمه إن في ذلك تهكما به لأن أبا لهب يشعر بالنسبة إلى لهب النار كما يقال أبو الخير و أبو الفضل و أبو الشر في النسبة إلى الخير و الفضل و الشر فلما قيل: "سيصلى نارا ذات لهب" فهم منه أن قوله: "تبت يدا أبي لهب" في معنى قولنا: تبت يدا جهنمي يلازم لهبها.

و قيل: لم يذكر باسمه و هو عبد العزى لأن عزى اسم صنم فكره أن يعد بحسب اللفظ عبدا لغير الله و هو عبد الله و إن كان الاسم إنما يقصد به المسمى.

قوله تعالى: "ما أغنى عنه ماله و ما كسب" ما الأولى نافية و ما الثانية موصولة و معنى "ما كسب" الذي كسبه بأعماله و هو أثر أعماله أو مصدرية و المعنى كسبه بيديه و هو عمله، و المعنى ما أغنى عنه عمله.

و معنى الآية على أي حال لم يدفع عنه ماله و لا عمله - أو أثر عمله - تباب نفسه و يديه الذي كتب عليه أو دعي عليه.

قوله تعالى: "سيصلى نارا ذات لهب" أي سيدخل نارا ذات لهب و هي نار جهنم الخالدة، و في تنكير لهب تفخيم له و تهويل.

قوله تعالى: "و امرأته حمالة الحطب" عطف على ضمير الفاعل المستكن في "سيصلى" و التقدير: و ستصلى امرأته إلخ و "حمالة الحطب" بالنصب وصف مقطوع عن الوصفية للذم أي أذم حمالة الحطب، و قيل: حال من "امرأته" و هو معنى لطيف على ما سيأتي.

قوله تعالى: "في جيدها حبل من مسد" المسد حبل مفتول من الليف، و الجملة حال ثانية من امرأته.

و الظاهر أن المراد بالآيتين أنها ستتمثل في النار التي تصلاها يوم القيامة في هيئتها التي كانت تتلبس بها في الدنيا و هي أنها كانت تحمل أغصان الشوك و غيرها تطرحها بالليل في طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤذيه بذلك فتعذب بالنار و هي تحمل الحطب و في جيدها حبل من مسد.

قال في مجمع البيان،: و إذا قيل: هل كان يلزم أبا لهب الإيمان بعد هذه السورة و هل كان يقدر على الإيمان و لو آمن لكان فيه تكذيب خبر الله سبحانه بأنه سيصلى نارا ذات لهب.

فالجواب أن الإيمان يلزمه لأن تكليف الإيمان ثابت عليه و إنما توعده الله بشرط أن لا يؤمن انتهى موضع الحاجة.

أقول: مبنى الإشكال على الغفلة من أن تعلق القضاء الحتمي منه تعالى بفعل الإنسان الاختياري لا يستوجب بطلان الاختيار و اضطرار الإنسان على الفعل فإن الإرادة الإلهية - و كذا فعله تعالى - إنما يتعلق بفعله الاختياري على ما هو عليه أي إن يفعل الإنسان باختياره كذا و كذا فلو لم يقع الفعل اختيارا تخلف مراده تعالى عن إرادته و هو محال و إذا كان الفعل المتعلق للقضاء الموجب اختياريا كان تركه أيضا اختياريا و إن كان لا يقع فافهم و قد تقدم هذا البحث في غير موضع من المباحث السابقة.

فقد ظهر بذلك أن أبا لهب كان في اختياره أن يؤمن و ينجو بذلك عن النار التي كان من المقضي المحتوم أن يدخلها بكفره.

و من هذا الباب الآيات النازلة في كفار قريش أنهم لا يؤمنون كقوله: "إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6، و قوله: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون": يس: 7، و من هذا الباب أيضا آيات الطبع على القلوب.

بحث روائی


في المجمع،: في قوله تعالى: "و أنذر عشيرتك الأقربين" عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصفا فقال: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أ رأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم و ممسيكم ما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد قال أبو لهب: تبا لك أ لهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل الله عز و جل "تبت يدا أبي لهب".

أقول: و رواه أيضا في تفسير السورة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس و لم يذكر فيه كون الدعوة عند نزول آية "و أنذر عشيرتك" الآية.

و فيه، أيضا عن طارق المحاربي قال: بينما أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا بشاب يقول أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، و إذا برجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه و عرقوبيه و يقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو محمد يزعم أنه نبي و هذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب.

و في قرب الإسناد، بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث طويل يذكر فيه آيات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من ذلك أن أم جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبت و مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر بن أبي قحافة فقال: يا رسول الله هذه أم جميل محفظة أي مغضبة تريدك و معها حجر تريد أن ترميك به فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنها لا تراني فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ قال: حيث شاء الله قالت: جئته و لو أراه لرميته فإنه هجاني و اللات و العزى إني لشاعرة فقال أبو بكر: يا رسول الله لم ترك؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا. ضرب الله بيني و بينها حجابا.

أقول: و روي ما يقرب منه بغير واحد من طرق أهل السنة.

و في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "و امرأته حمالة الحطب" قال: كانت أم جميل بنت صخر و كانت تنم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و تنقل أحاديثه إلى الكفار.
avatar
ابومهندالسلامي النجفي
انت رائع


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى